Demo

لزوم كفارة المسيح

تفرُّد اللّه بالقدرة على الفداء الحقيقي - قانونية قيام اللّه بالفداء

فهرس المقال

3 - قانونية قيام اللّه بالفداء

تساور الشكوك بعض الناس في موضوع «ظهور اللّه في ناسوت للقيام بالتكفير عن خطايانا»، وإن كان لا بد من التسليم به للأسباب التي ذكرناها في الباب السابق. فلنفحص فيما يلي اعتراضاتهم عليه.

1 - اللّه منّزه في ذاته كل التنزيه، فلا يمكن أن يتخذ لنفسه ناسوتاً مثلنا، لأي غرض من الأغراض.

الرد:إذا وضعنا أمامنا أنَّ اللّه يحبنا محبة شديدة، لأنه خلقنا على صورته كشبهه كما ذكرنا في الباب الأول، أدركنا أنه لا يمكن أن يكون متباعداً عنا، بل لا بد أن يكون حانياً علينا أكثر مما نفتكر أو نتصور. وهذا ما يدعوه إلى أن يشق لنفه طريقاً من اللامحدودية إلى المحدودية مع بقائه غير محدود في ذاته، ومن جو القداسة المطلقة الذي يحيط به إلى عالم الخطية الذي نعيش فيه، مع بقائه قدوساً في ذاته. كما أنَّ هذه المحبة تدعوه أن يعلن ذاته لنا بهيئة نستطيع إدراكه بها، هي الهيئة لبشرية. إذ بدونها لا نستطيع أن ندرك أنه يحبنا، وبالتالي لا نستطيع أن نحب أو نثق أنه يمكننا الاقتراب منه والتوالف معه. وعندما يريد الله أن يعلن لنا محبته ويكفر بنفسه عن خطايانا، لا يكون هناك مانع لديه من الظهور في ناسوت خاص، طالما أنَّ ها الناسوت خال من الخطية ومعصوم منها. لأنه لو ظهر لنا في هيئة ملائكية مثلاً، لما استطعنا إدراكه حق الإدراك، إذ ليس هناك مجال للتوافق الحقيقي بيننا وبين الملائكة.

وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أنَّ التنزيه الذي يليق باللّه هو التنزيه عن الخطأ وعدم البر، وعن العجز والضعف، وليس التنزيه عن الاتصال بالناس الذين خلقهم على صورته، أو إظهار المحبة لهم والعطف عليهم بكل وسيلة من الوسائل.

2 - كيف يشق اللّه لنفسه طريقاً من اللامحدودية إلى المحدود مع بقائه غير محدود في ذاته، ومن جو القداسة المطلقة الذي يحيط به إلى عالم الخطية الذي نعيش فيه مع بقائه قدوساً في ذاته؟

الرد:بما أن وجود اللّه مع جماعة من الناس في وقت ما، لا يمنعه كما نؤمن جميعاً من الوجود مع آلاف غيرها في جهات متباعدة في نفس الوقت، لذلك لا اعتراض على إمكانية ظهوره لنا في ناسوت مع بقائه غير محدود في ذاته. كما أن قداسة اللّه المطقة لا تسمح لأي شرّ بالتسرب إليه مهما كان هذا الشر على مقربة منه، لأن القداسة المطلقة التي يتصف بها اللّه عازل يحول دون ذلك، فهو والحالة هذه يشبه (إن جاز التعبير) النور الذي يشق طريقه في وسط الظلمة، دون أن تختلط به أو يختلط هو بها.

3 - كيف يظهر اللّه الذي لا حدّ لعظمته، في ناسوت مثلنا؟

الرد:إن محبة اللّه الشديدة لنا، لا تسمح لأي عقبة بالوقوف في سبيل تحقيق أغراضها، لا سيما وأن العظمة الحقيقية ليست في تشامخ العظيم بل في تواضعه، وليست في تعاليه بل في تنازله، كما أنها وليست في الأثرة والأنانية بل في الإيثار والتضحة. ولذلك لا يمكن أن يستنكف اللّه من أن يظهر لنا في ناسوت خاص، طالما أنَّ هذه هي الوسيلة الوحيدة لفدائنا، وفي الوقت نفسه هي الوسيلة الوحيدة التي بها نستطيع إدراك محبته الفائقة لنا، ونستطيع بها أيضاً الدنو منه والتوالف معه. فإذا أضفنا إلىما تقدم أنَّ اللّه كان يتراءى أحياناً لأصفيائه بهيئة مُدرَكة لديهم، اتضح لنا أن ظهوره في ناسوت ليعلن لنا جميعاً محبته الفادية، لا يتعارض مع طبيعته أو مقاصده من نحونا، لا سيما إذا كان هذا الناسوت قدوساً خالياً من الخطية ومعصوماً منها كما ذكرنا.

كان اللّه يظهر لليهود في صوت دون هيئة ما، لئلا يعملوا له تمثالاً يسجدون له. فقد قال موسى النبي لبني إسرائيل: «فَكَلَّمَكُمُ الرَّبُّ مِنْ وَسَطِ النَّارِ وَأَنْتُمْ سَامِعُونَ صَوْتَ كَلامٍ، وَلاكِنْ لَم تَرُوا صُورَةً بَلْ صَوْتاً»(تثنية 4: 12) أما في حالة عدم احتمال عمل تمثال له بسبب الرسوخ في الإِيمان، فكان يظهر في هيئة ملاك أو إنسان، لأنها الهيئة التي يمكن للبشر التوالف بها معه، فظهر في الهيئة الأولى لهاجر. ولما أدركت أن اللّه بعينه، قالت له: «أَنْتَ إِيلُ رُئِي»، أي «أنت إله حقيقي يمكن رؤيته»(تكوين 16: 10 - 13). وظهر في الهيئة الثانية لمنوح أبي شمشون. ولما سأله هذا عن اسمه قال له: «لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب؟!»وعندما تجلّت حقيقة هذا الإنسان عند صعوده إلى السماء، سقط منوح هو وزوجته على الأرض، قائلاً لها: «نَمُوتُ مَوْتاً لأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا اللّاهَ»(قضاة 13: 18 - 22).

4 - القول «بظهور اللّه في ناسوت خال من الخطية لكي يعلن محبته الفادية لنا، هو محاولة لإِخضاع اللّه لعقولنا، مع أنَّ عقولنا هي التي يجب أن تخضع للّه في روحانيته المطلقة وتنّزهه عن كل غرض من الأغراض».

الرد:إن هذا الموضوع ليس محاولة منا لإِخضاع اللّه لعقولنا، بل إنه من مستلزمات طبيعته وعلاقته بنا كما اتضح لنا مما سلف. فاللّه ليس ملكاً متكبراً لا عمل له إلا قبول الإكرام والاحترام من أتباعه، ومعاقبة الذين يسيئون إليه ومكافأة الذن يُخلِصون له منهم، وإظهار شيء من العطف في بعض الأحيان على من تنزل بهم الكوارث مثلاً، مع بقائه في برجه العاجي مترفّعاً عنهم أجمعين. لكنه الأب الطيب الذي لا يدع فاصلاً بينه وبين أولاده، بل وفي محبة شديدة يقترب إليهم ويقربهم إليه، كما ينزل إلى مستوى مداركهم ليعلن لهم ما خفي عنهم من جهة شخصه وأغراضه الصالحة من نحوهم. وإذا استلزم الأمر فإنه يضحي بكل ما لديه من أجلهم، ليرقى بهم إلى أسعد حالة ممكنة.

فإذا أضفنا إلى ذلك أنَّ اللّه لا يريد أن ندنو منه ونحن في حالة الرعب أو الذعر، لأن هذه الحالة لا تتوافق مع كماله، ولا تعود علينا بخير ما، بل أن ندنو منه ونحن في حالة المحبة له والشوق إليه. وأنه لا يمكن أن ندنو منه في الحالة الثانية إلا إذا أعلن لنا ذاته ومحبته بهيئة مُدرَكة لنا، اتضح لنا أن اتخاذ اللّه لنفسه ناسوتاً قدوساً لإِعلان محبته لنا وتكفيره عن خطايانا، أمر يتوافق مع ذاته ومع علاقته بنا كل التوافق كما ذكرنا.

5 - الفداء لا يكون إلا بين جماعة تربطها رابطة خاصة أو يجمعها جنس واحد، واللّه في ذاته لا تربطنا به هذه الرابطة، كما أنه ليس من جنسنا، فكيف يكون فادياً لنا؟

الرد:خلقنا الله على صورته كشبهه، وأعطانا نسمة حياة خالدة من لدنه، كما جعلنا أعزّ الكائنات وأقربها إليه، وعرّفنا بالكثير عن ذاته ومقاصده من نحونا بواسطة وحيه الذي كان يرسله إلينا من وقت إلى آخر، وقال لنا إنه ألصق نفسه بنا وألصقن به (إرميا 13: 11)، وليس هناك رابطة في الوجود مثل هذه الرابطة. أما من جهة وجوب كون الفادي واحداً من جنسنا، فهذا يتحقق بالتمام باتخاذ اللّه لنفسه ناسوتاً مثلنا (إنما خالياً من الخطية خلواً تاماً كما ذكرنا) - وقد أشار الإنجيل إلى هذه الحقية فقال: «فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلادُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذالِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولائِكَ الَّذِينَ خَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ»(عبرانيين 2: 14 - 15).

6 - كيف نعلم أن اللّه يريد فداءنا، أو التكفير عنا بنفسه؟

الرد:(ا) فضلاً عن الأدلة المتعددة الواردة في التوراة والإنجيل عن قيام اللّه بفدائنا أو التكفير عنا، كما ذكرنا فيما سلف، نقول: بما أن اللّه لم ينفذ حكم الموت في آدم بعد سقوطه في الخطية مباشرة، بل أبقاه حياً. وبما أنه ليس من المعول إزاء كمال اللّه أن يكون قد أبقاه حياً لكي يلد ملايين البشر للشقاء الأبدي. إذاً فعدم قضاء اللّه على آدم بالموت بعد سقوطه في الخطية مباشرة، دليل على أنه لا يريد هلاك البشر بل خلاصهم. وبما أن خلاصهم لا يتحقق إلا بفدائه إياهم بنفسه، إذاًفمن المؤكد أنه أراد أن يقوم بهذه المهمة منذ القديم.

(ب) فإذا وضعنا أمامنا، أنَّ الذبائح الحيوانية التي كانت تُقدّم بقصد التكفير عن الخطية، لم تكن صالحة فعلاً لهذا الغرض كما مرّ بنا، وأنه على الرغم من عدم صلاحيتها كان اللّه يأمر الناس بوجوب المواظبة على تقديمها طوال العهد القديم، بل وجعل تقديمها وقتئذ الوسيلة الوحيدة لقبولهم أمامه، اتضح لنا أنه لا بد أنها كانت ذات معنى لديه، وهذا المعنى (كما يتضح من دراسة التوراة والإنجيل) ينحصر في أنَّ الذبائح كانت رمزاً إلى فادٍ يستطيع التكفير عن الخطية تكفيراً حقيقياً إلى الأبد (1 كورنثوس 5: 7 ، عبرانيين 13: 11 و 12). وبما أنَّ الذي يقوم بهذه المهمة هو اللّه دون سواه، إذاً لا بد أنه قصد أن يفتدينا بنفسه منذ القديم.

(ج) فإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس، نرى أن الإنسان عندما يطيع اللّه، تصبح الملائكة خداماً له، لأن الملائكة أرواح خادمة مُرسَلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص (عبرانيين 1: 14)، الأمر الذي يدل على أن الإِنسان هو أعظم المخلوقات وأربها إلى اللّه وأحبها إليه، وأن اللّه قصد منذ الأزل أن تكون له مع هذا الإِنسان علاقة وثيقة مستمرة. وبما أنه لا مجال لهذه العلاقة مع وجود الخطية، ولا مجال لمحو الخطية إلا بفداء اللّه للإِنسان (أو بالحري إلا بتكفيره عن خطاياه وإمداده بحيا روحية يستطيع بها التوافق معه)، إذاً لا شك أن اللّه قصد منذ الأزل أن يفتدينا بنفسه.

7 - ألا توجد وسيلة للخلاص من خطايانا إلا بافتداء اللّه لنا بنفسه؟

الرد:(ا) حقاً ما أصعب هذا السؤال أمام بعض الناس، وما أكثر الحيرة التي يسبِّبها لهم. لا نستطيع بعقولنا أن نعرف كل أفكار اللّه وتدبيراته، لأن إدراكنا محدود وهو فوق الحدود، لذلك فمن الشطط أن نتصوّر خطة خاصة يتحتم عليه استخدامها في مر خلاصنا من الخطية. لكن بحسب العقل الذي تفضّل وأعطاه لنا نقول: لو كان من الجائز أن تقل عدالة اللّه وقداسته عن رحمته ومحبته، لكان من الجائز أن ينقذ جميع البشر من خطاياهم ويقربهم إلى حضرته بكلمة واحدة، كما خلق العالم من قبل بمثل هذه اكلمة. لكن بما أنَّ عدالته توازي رحمته، وقداسته توازي محبته بسبب كمال كل صفة من صفاته وتوافقها معاً توافقاً تاماً، إذاً فمع رحمته ومحبته اللتين لا حدَّ لهما، فإنَّ من مستلزمات الكمال الذي يتصف به، ألا يتساهل في شيء من مطالب عدالته وقداست. وبما أنه لا يستطيع سواه إيفاء مطالب هذه وتلك، إذاً لا سبيل للخلاص من الخطية ونتائجها إلا بقيامه بافتدائنا بنفسه.

(ب) أما لو صفح اللّه عنا وقرّبنا إليه دون أن يفتدينا بنفسه، لكانت عدالته وقداسته قد انخفض قدرهما عن رحمته ومحبته، أو لكان قد انحاز إلى رحمته ومحبته دون عدالته وقداسته. وبما أنه لكماله المطلق لا يمكن أن تقل عدالته عن رحمته أو قداسه عن محبته، ولا يمكن أيضاً أن ينحاز إلى صفة فيه دون أخرى، إذاً فمن المؤكد أنه يقبل القيام بافتدائنا بنفسه، لأن هذا يكون أكثر موافقة لكماله من الصفح عنا وتقريبنا إليه بوسيلة لا تتفق مع عدالته وقداسته. وبالإِضافة إلى كل ما تقدم، فإنه أيس لنا أن نؤمن بإِله يحب خليقته ويبذل كل ما لديه في سبيل إسعادها، من أن نؤمن بإِله غير كامل الصفات أو ينحاز إلى صفة دون الأخرى.

8 - إنَّ اللّه (كما أعلن الوحي) بطيء الغضب وكثير الإحسان (خروج 34: 6)، فيمكنه أن يصفح عن الخطاة من مجرد رحمته، لا سيما وأن هذا التصرف يكون أحسن لدى اللّه من الفداء الذي يكلفه كثيراً.

الرد:(ا) إذا كان اللّه يصفح عن الخطاة دون مراعاة لعدالته ويقرّبهم إليه دون مراعاة لقداسته، تكون عدالته قد قلت في قيمتها عن رحمته، وتكون قداسته قد قلت في قيمتها عن محبته، وهذا ما لا يمكن حدوثه بسبب كماله المطلق وتوافق صفاته معاً ما ذكرنا. كما أنه إذا كان اللّه يترك الأشرار يطغون ويعبثون، وفي نهاية الأمر يأتي بهم إلى سمائه لينعموا معه فيها (إذا كانوا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً)، لا يكون رحيماً أو رؤوفاً بل متساهلاً مع الشر. ولكن بتكفيره عن البشر بنفسه وبتحمله نتائجخطاياهم عوضاً عنهم، وإمداده إياهم بحياة روحية يمكنهم بها التوافق معه في صفاته السامية، يُظهر منتهى العدالة ومنتهى الرحمة، كما يظهر منتهى القداسة ومنتهى المحبة. فضلاً عن ذلك فإنه يذيب قلوب المخْلِصين منهم، فيُقبِلون إليه بكل حب وإخلاص، وهم على استعداد تام لخدمته وإكرامه مهما كلفهم الأمر من جهد.

ولا مجال للاعتراض على وضعنا لعدالة اللّه وقداسته نصب أعيننا دائماً عند البحث في مسألة الغفران والقبول لديه، لأن العدالة والقداسة لديه ليستا مبدأين أدبيين منفصلين عن ذاته، يراعيهما عند القيام بأعماله كما هي الحال عند المخلصين من الكام والقضاة، بل أنهما (مع المبادئ الأدبية الأخرى) صفتان كائنتان في ذاته. فلا يمكن أن يتخلى عنهما أو يتصرف بالرحمة والمحبة. دون إيفاء مطالب كل منهما أولاً.

(ب) أخيراً نقول: إنَّ الأحسن لدى اللّه ليس هو الأسهل في نظرنا، لأن اللّه لا ينظر إلى أمر من الأمور التي يعملها من جهة كونه سهلاً أو صعباً، إذ أنَّ كل الأمور سهلة لديه. لكنه ينظر إلى كل أمر من جهة كونه متوافقاً مع كماله أو غير متوفق معه. ولما كان فداء اللّه لنا بنفسه يتوافق مع كماله كل التوافق، لأنه يتمشى مع عدالته وقداسته التي يجب إيفاء مطالبهما على أي نحو من الأنحاء، لذلك فهو الشيء «الأحسن»لديه - إن كان هناك مجال لوجود شيء (حسن) وآخر «أحسن»في الأعمال التي يقوم بها.

9 - إذا كان ولا بد من الفداء، فهل يعجز اللّه عن خلق شخص يقوم به نيابة عنه؟

الرد:بما أنه لا يستطيع القيام بالفداء إلا اللّه كما مرَّ بنا، وبما أنه ليس من المعقول أن يخلق اللّه شخصاً نظيره، لأن المخلوق يكون مُحدَثاً، والمحدَث لا يكون مثل القديم الأزلي في شيء من خصائصه، إذاً ليس هناك كائن غير اللّه يستطيع أن يفدينا ويكفر عنا سيئاتنا.

فضلاً عن ذلك لو أنَّ اللّه خلق شخصاً نظيره للقيام بهذه المهمة، لكان قد ظلم هذا الشخص وعاقبه بأشنع عقوبة دون ذنب جناه. أما إذا كان هو يقوم بافتدائنا بنفسه، فلا يكون قد ظلم أحداً أو قسا عليه، بل يكون قد أظهر منتهى المحبة والرحمة لنا الأمر الذي هو خليق به. كما أنه لو قام شخص غير اللّه بفدائنا، لأصبح هذا الشخص مصدر حياتنا وولي نعمتنا، لأنه يكون بالنسبة لنا المنقذ من العذاب الأبدي والواهب الحياة الأبدية لنا، ولصرنا كلنا تبعاً لذلك عبيداً له من دون اللّه. كما يكون الله قد تنازل لهذا الشخص عن مجده الذاتي كالسيد الرب الوحيد الذي له وحده الإكرام والعبادة. ولا يمكن أن يتنازل الله عن مجده هذا لكائن ما (إشعياء 42: 8)، لأنه فضلاً عن أنه لا إله إلا هو، لا يجوز أن يكون هناك إله معه على الإطلاق (وإلا لكان محدداً في قدرته، وهذا محال)، لذلك كان أمراً بديهياً أن يقوم اللّه نفسه بافتدائنا كما ذكرنا.

10 - إنَّ محبة اللّه للبشر، مهما بلغت شدتها، لا يمكن أن تصل إلى الدرجة التي يقوم معها بفدائهم بنفسه، لما يتطلبه الفداء من تضحية لا نقدر أن نتصورها.

الرد:إذا كان الأب البار بأبنائه، مع ما فيه من نقائص، يحبهم محبة شديدة ويحتمل بنفسه نتائج أخطائهم عوضاً عنهم، لذلك لا غرابة إذا كان اللّه الكامل كل الكمال يرضى، في محبته التي تفوق محبة الآباء بدرجة لا حدَّ لها، أن يتحمل عنا نتائجخطايانا، بل يعوّض لنا أيضاً ما نكون قد فقدناه، بل وأكثر مما نكون قد فقدناه من امتيازات، بسبب جهلنا وانحرافنا عنه. والكتاب المقدس مليء بالآيات التي تدل على أنَّ اللّه يُسرّ بنا ويحبنا محبة لا حد لها، الأمر الذي يدل على أن فداءه لنا أمر يوافق ليس فقط مع ذاته وما بها من كمال مطلق، بل ويتوافق أيضاً مع علاقته بنا كما ذكرنا.

ففي التوراة، أعلن الوحي أنَّ لذّات اللّه هي مع بني آدم (أمثال 8: 31)، وأنَّه أحب المؤمنين محبة أبدية، ولذلك أدام لهم الرحمة (أرميا 31: 3). وأنهم أعزاء ومكرمون في عينيه (إشعياء 43: 4)، وبمثابة حدقة العين لديه (تثنية 32: 10) وأنه بمحبته ورأفته يفكهم من ضيقاتهم (إشعياء 63: 9)، وأنه يجذبهم بربط المحبة إذا ضلوا عنه (هوشع 11: 4)، وأنه أحبهم ليس لصلاح فيهم بل أحبهم فضلاً (هوشع 14: 4)، أو بالحري دون أن يكون هناك شيء فيهم يدعوه إلى إظهار المحبة لهم.

وفي الإنجيل، أعلن الوحي أنَّ مسرة اللّه هي في الناس (لوقا 2: 14)، وأنه أحب العالم بأسره (يوحنا 3: 16)، وأنه أحب المؤمنين به إلى المنتهى (يوحنا 13: 1) وأنهم لذلك يدعون أحباء اللّه (رومية 1: 7) وأولاده (1 يوحنا 3: 1).

فضلاً عن ذلك فقد أعلن الوحي أنَّ المحبة ليست مجرد صفة من صفات اللّه بل أنها ذات طبيعته، فقد قال «اللّه محبة»(1 يوحنا 4: 8)، أي أنه بكلياته وجزئياته (إن جاز التعبير) محبة. ولذلك فإنه لا يقف عند حد الاهتمام بالناس أو الإحسان إليهم،بل إنه أيضاً يتوق إليهم ويريد الاتصال بهم إتصالاً وثيقاً. وعندما نقول إن الله يحب البشر، نعني أنه يضحي بكل شيء لديه في سبيل خيرهم وإسعادهم.

والمسيحية وحدها هي التي تعلن أن اللّه يحب جميع الناس، وليس الصالحين منهم فحسب كما تقول غيرها من الأديان. ومحبة اللّه لنا ليست هي الرحمة والشفقة فحسب (كما يظن البعض)، بل هي (إن جاز التعبير) التعلُّق بنا تعلقاً يجعله يجد كل سروره فنا، كما يجعله يضحي بكل عزيز وغال لديه في سبيل إسعادنا. ولإِيضاح الفرق بين المحبة والرحمة بمثل مادي نقول: قد تأخذنا الشفقة أحياناً على مجرم أثيم وصل إلى أحط درجات البؤس والشقاء، فنمدّه بما يحتاج إليه من غذاء أو كساء، ولكننا لا نستطيع أ نأتي به إلى منزلنا ليعيش بين أفراد عائلتنا ويأكل ويشرب ويتسامر معنا، وذلك بسبب اختلاف أخلاقه عن أخلاقنا. فنحن بتصرفنا هذا، نكون قد أشفقنا عليه، لكن لا نكون قد أحببناه. والرحمة الخالية من المحبة قاسية كل القسوة، ولا تقبلها إلا النفوس النيئة الحقيرة، كما أنها لن تكون عاملاً في تهذيب هذه النفوس أو إصلاحها. أما اللّه جل شأنه فلا يشفق على الخطاة فقط بل ويحبهم أيضاً، ويتحمَّل في نفسه خطاياهم، ويعمل على تأهيلهم للتوافق الروحي معه، الأمر الذي يملأ المخلصين منهم بالمحبة الخالة له، ويجعلهم يحفظون وصاياه ويتفانون في خدمته وإكرامه دون النظر إلى جزاء أو ثواب.

11 - مَن هو الإنسان بالنسبة إلى الكون المترامي الأطراف، حتى يحبه اللّه بهذا القدر؟

الرد:ليست العظمة في الضخامة بل في الفهم والإدراك، وإلا لكان الفيل أعظم قدراً من الإِنسان لأنه أكبر حجماً منه - حقاً إنَّ الإِنسان مخلوق ضعيف، إذ أن أصغر الميكروبات تستطيع الفتك به. لكن اللّه في نعمته الغنية ميّز الإِنسان عن كل لمخلوقات بمميزات سامية، إذ فضلاً عن أنه خلقه على صورته كشبهه، فقد جعله الممثل له على الأرض والمتسلط عليها من قبله (تكوين 1: 28). والواقع يؤيد هذه الحقيقة كل التأييد، فإنَّ آثار الإِنسان في العالم تدل على أنه أسمى المخلوقات وأعظمها إدراكا وذكاء، فقد أخضع قوى الطبيعة لسلطانه، واستأنس الحيوانات واستخدمها لقضاء حاجاته، وزرع النباتات وألف منها أنواعاً جديدة، وكشف عن مصادر الثروة في البر والبحر معاً. كما عرف الكهرباء والطاقة الذرية واستخدمهما في قضاء مآربه، وانطلق إلى الفضاء وهبط على القمر وغيره من الكواكب. وصَدَق شكسبير في قوله عن الإنسان «إنه أعظم من كل ما في الكون من كائنات»، فليس في العالم كائن يشبه الإِنسان في الفهم والإدراك والطموح إلى العلاء، فلا عجب إذا كان اللّه يحب الإنسان محبة لا حد لها، ويقبل عل افتدائه بنفسه طالما أنه ليس هناك من يفتديه سواه.

12 - اللّه وإن كان لا يعسر عليه أمر، لكن تحمُّله نتائج خطايانا في نفسه عوضاً عنا، أمر لا يتفق مع العقل.

الرد:(ا) إنَّ اللّه ليس فقط مثل الحاكم الذي لا يعامل شعبه إلا بالحق والعدل، بل مثل الأب الذي يبذل النفس والنفيس من أجل إسعاد أبنائه. وهناك فرق كبير بين الأمور التي لا تتفق مع العقل وبين تلك التي تفوق إدراكه. فالثانية هي ما تتفق ع العقل في ذاتها، لكن لعظمتها تسمو فوق إدراكه في كيفية تنفيذها، فلا يستطيع الإحاطة بها. أما الأولى فلا تتفق مع العقل إطلاقاً، لا في ذاتها ولا في كيفية تنفيذها، فإذا قيل (مثلاً) إن اللّه لا يعبأ بالإِنسان (كما ينادي بعض الفلاسفة)، فإنَّ ذا القول لا يتفق مع العقل، لأنه من المفروض أن يهتم اللّه بالإِنسان الذي خلقه على صورته كشبهه. أما إذا قيل إنَّه أحب الإِنسان وفداه بنفسه، فإنَّ هذا القول لا يكون ضد العقل بل أسمى منه، لأنه من المفروض أن يحب اللّه الإِنسان كما ذكرنا، ومنالمفروض أيضاً أن تكون محبته له متناسبة مع ذاته. وبما أنَّ ذاته لا حد لها، تكون محبته للإِنسان لا حد لها أيضاً. وبما أنَّ المحبة التي لا حد لها تظهر في القيام بخدمات وتضحيات لا حد لها في قدرها ونوعها قام اللّه بأعظم تضحية في سبيل إنقاذنامن قصاص خطايانا ومنحنا طبيعة روحية نتوافق بها معه في صفاته السامية. وليس هذا أمراً ضد العقل، بل أسمى من العقل، وفي الوقت نفسه يتفق مع العقل كل الاتفاق - وهذا ما يدعونا إلى تصديقه وقبوله بكل شكر وحمد.

(ب) إذا كانت الحكومات تبجّل من يضحّون بعضو من أجسامهم - ومن بين الذين قاموا بهذا العمل في مصر في عام 1964 سيدة، فاعتبرت أماً مثالية، وعامل في عام 1966 فمنح وسام الجمهورية، وسيدة في عام 1972 فمنحت وسام الكمال من الدرجة الثانية، واعبرت أماً مثالية - وإذا كنا نحن نبجل الفدائيين ونجلهم ونشيد بعظمتهم، مع أنهم في سبيل إنقاذ بلادهم من أيدي الأعداء المغتصبين، يقتلون أشخاصاً قد يكونون أبرياء. فلا شك أنَّ فداء اللّه لنا الذي يترتب عليه أن يتحمل نتائج خطايانا عوضاً عنا، دو أن يسبب ضرراً أو أذى لواحد منا، أمر عظيم كل العظمة وسامٍ كل السمو، وجدير أيضاً بكل إكرام وتقدير.

13 - افتداء اللّه لنا بنفسه يفرض عليه التأثر، والتأثر يدل على التغيير، واللّه لا يتغير.

الرد:إذا نظرنا إلى اللّه كمجرد فكرة أو قوة، أو كإله جامد، أو كمقيم في عزلة عن خليقته (كما ينظر إليه بعض الفلاسفة)، لا يمكن طبعاً إسناد التأثر إليه بحال. لكن إذا نظرنا إليه كما هو، ذات يتصف بكل صفات الكمال ويتصل بنا اتصالاً وثيقا لمحبته التي لا حد لها لنا، ووضعنا أمامنا أنَّ كل علاقة بين طرفين تقتضي حدوث تأثير في كل منهما، اتضح لنا أنه لا مفر من التسليم بأن اللّه يتأثر (على نحو يتفق مع روحانيته المطلقة) بسبب علاقته بنا كما ذكرنا في الباب الأول. غير أنَّ تأثر الّه هذا لا يؤدي إلى حدوث تغير في ذاته، لأنه كان يعرف كل شيء عنا منذ الأزل، فقصد من الأزل أن يفتدينا بنفسه، لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لخلاصنا. وعندما أخطأنا في الزمان وتطلب الأمر أن يعلن فداءه لنا، لا يكون قد طرأ عليه أمر جديد يستدعي حدو تغير في ذاته، إذ يكون فقط قد أعلن لنا ما قصد أن يعمله أزلاً، كما خلق العالم في الزمان دون أن يطرأ عليه تغير ما، بسبب علمه بهذا العالم منذ الأزل.

14 - ما الذي يُلزِم اللّه بافتدائنا، وما الذي يهدف إليه بهذا الافتداء؟

الرد:(ا) ليس هناك شيء في الوجود يستطيع أن يفرض على اللّه القيام بعمل ما، بل إنه يقوم بكل أعماله بمحض إرادته ومشيئته، لأنه ليس هناك من له أدنى سلطة أو تأثير عليه. فمن البديهي أن يكون الباعث الوحيد على افتدائه لنا، هو كماله المطلق ومشيئته الصالحة من نحونا. فقد قال الوحي عنه: يعمل كل شيء «حسب قصده»و «حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ»، و «حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ»(أفسس 1: 5 - 1).

كما أنَّ اللّه لا يهدف بهذا الفداء إلى الحصول على خير منا، لأنه فضلاً عن أنه ليس في حاجة إلى خير من أي كائن من الكائنات، لأنه كامل في ذاته كل الكمال ومستغنٍ عن كل شيء من الأشياء، فإن التضحية التي تعمل للحصول على خير تفقد قيمتها وتبح عملاً تجارياً لا يليق بكائن عظيم مثل اللّه. فهو لا يقصد بالفداء إلا خير البشر وإسعادهم، وفي خيرهم وإسعادهم تتحقق أغراضه السامية من نحوهم.

(ب) إذا كان الأمناء من البشر يتصرفون في الأعمال المسندة إليهم بكل نزاهة وإخلاص. وإن استلزم الأمر، فإنهم يضحون عن طيب خاطر بصحتهم ومالهم للقيام بهذه الأعمال على الوجه الأكمل، ليس خوفاً من رؤساء أو طمعاً في جزاء بل مراعاة لضمائرهم وبادئهم، لذلك ليس من المعقول إطلاقاً أن يترك اللّه، وهو الكامل في كل صفاته، طريق الفداء الذي يتفق مع عدالته وقداسته، ويلجأ إلى طريق التساهل معهما أو عدم المبالاة بهما، بطريق الغفران بدون فداء.

والقضاة أمثلة للأمناء من البشر، فقد عُرضت عليهم قضايا ضد أشخاص يمتون إليهم بصلة القرابة. ولما درسوها وجدوا أن القانون يقضي على هؤلاء الأشخاص بغرامات مالية يعجزون عن دفعها، فأبت نزاهتهم أن يستغلوا مراكزهم لتبرئة أقربائهم أو تخفيض اغرامات الواجب تحصيلها منهم، ولذلك بعد أن أصدروا الأحكام عليهم بالغرامات القانونية، دفعوا من جيوبهم هذه الغرامات عوضاً عنهم، فحفظوا للقانون كرامته، ولنفوسهم نزاهتها وعفتها، كما رفعوا رؤوس أقربائهم وصانوهم من نقد المنتقدين وتهكم المتهكمين فإذا كان بعض البشر يتصرفون هذا التصرف النبيل، فلا شك أنَّ اللّه الذي هو أسمى منهم بدرجة لا حد لها، لا يمكن أن يهمل مطالب عدالته وقداسته بسبب عطفه على الناس ومحبته لهم.

(ج) أما الاعتراض بأن القضاة المذكورين ربما دفعوا الغرامات خوفاً من المؤاخذة وبالأخص من رؤسائهم، لكن اللّه ليس عليه رقيب يحاسبه، ولذلك لا حرج عليه إذا كان يعفو عن الخطاة دون تضحية من جانبه فنقول: إن اللّه وإن لم يكن عليه رقيب يناقه الحساب، لكن له كماله الذاتي الذي ينزهه عن أي تصرف لا يتفق مع القداسة والعدالة، كما ذكرنا في الباب الثالث.

15 - التضحية بالمال والصحة والوقت أمر جائز، لكن تحمُّل الآلام نيابة عن المذنبين أمر لا يتفق مع العدالة، لأن هذه تقتضي بأنَّ المذنب هو نفسه الذي يجب أن يُسجَن أو يجلد أو يقتل.

الرد:(ا) طبعاً لو كان المذنبون السابق ذكرهم محكوماً عليهم بالسجن أو الجلد أو القتل، لما كان من الجائز للقضاة مهما كانت درجة القرابة التي تربطهم بهم، أن يتحملوا عنهم هذه العقوبات. لكن لا يمكن أن يكون هذا هو الحال من جهة موقف الله إزاء الخطاة، لأنه هو وحده الذي وضع القانون الخاص بمعاقبتهم، وهو وحده الذي ينفذ هذا القانون، بالطريقة التي تتفق ليس مع عدالته فحسب بل ومع رحمته أيضاً، لأن هذه متحدة مع تلك كل الاتحاد في ذاته. وإذا كان الأمر كذلك، فإن عقولنا لا تستبعد ملقاً أن يقوم اللّه بالتكفير بنفسه عنا، لأنه بهذه الوسيلة يفي مطالب عدالته التي لا حد لها، وفي الوقت نفسه يظهر لنا رحمته التي لا حد لها أيضاً. ولو لم يقم بهذا العمل من تلقاء ذاته، لكان حرج موقف الأتقياء الذين يحبونه والبؤس الذي يهددهم فيالحاضر والمستقبل معاً مثل غيرهم من الناس، يطالبانه باسم رحمته ومحبته اللتين لا حد لهما، أن يقوم به على حساب نفسه، لأنه خالقهم ولا ملجأ لهم إلا شخصه ولا رجاء لهم إلا عنده، ولا ريب أنه كان يستجيب لهم، مهما تطلب الأمر من تضحية، وهذا ما حدث فعلاً كما سنرى في الباب التالي.

16 - العدالة، كما أعلن الوحي، هي أن لا يحمل الابن إثم أبيه، أو الأب إثم ابنه (تثنية 24: 16 ، حزقيال 18: 20)، بل أنَّ النفس التي تخطئ هي تموت. فكيف يحمل اللّه إثمنا ويتألم بسببه عوضاً عنا؟!

الرد:(ا) الأب والابن مخلوق بواسطة اللّه، وكلٌّ منهما مسئول شخصياً أمامه عن الآثام التي يقترفها وحده، ولذلك لا يحمل أحدهما من إثم الآخر. ولكن اللّه وإن كان غير مسئول أمام كائن ما، غير أنه مسئول (إن جاز التعبير) أمام ذاته، وذاته ا تتصف فقط بالعدالة التي لا حد لها، بل وأيضاً بالرحمة التي لا نهاية لها، لأن هذه وتلك متحدتان في ذاته دائماً أبداً، وذلك لكماله المطلق في كل صفة من صفاته. وموقف اللّه إزاءنا لا يكون موقف العدالة المجردة، بل موقف العدالة المتحدة بالرحمة،أو بالحري موقف التضحية. وهذا ما يدعوه إلى تحمل نتائج خطايانا إيفاء لمطالب عدالته، وتحملها نيابة عنا إيفاء لمطالب رحمته.

فناموس التضحية وإن كان يختلف عن ناموس العدالة، لكنه لا ينقض أحكامه بل يثبتها، فإذا أضفنا إلى ذلك أن اللّه في قيامه بالتضحية لا يكون مرغماً أو مجبراً، بل متطوعاً للقيام بها بمحض اختياره ومشيئته لأجل الخير العام، لا يبقى هناك مجال لاعتراض.

(ب) حقاً ما أخطر النتيجة التي وصلنا إليها، لكنها على أي حال ليست مؤسسة على ظنون أو أوهام بل على حقائق معقولة، ولذلك فإنَّ سموها عن إدراكنا لا يقلل مطلقاً من قانونيتها ولزومها وصحّتها. وإننا إذ نقرر ذلك، لا نكون قد سلكنا مسلكاً شاذً بل مسلكاً طبيعياً مألوفاً، فنحن جميعاً نؤمن بوجود الروح البشرية وتكوين الأفكار المعنوية في المخ المادي، ليس لأننا أدركنا ماهية الأولى أو كيفية حدوث الثانية، بل لمجرد ظهور أدلة معقولة تثبت حدوث هذه ووجود تلك، فلا يجوز رفض حقيقة افتداءاللّه لنا، طالما قد توافرت الأدلة على صدقها.

أما من جهة تهكم بعض الناس علينا بسبب اعتقادنا بتكفير اللّه بنفسه عن خطايانا، فلا يؤثر على موقفنا منه في قليل أو كثير، لأنهم إذا كانوا على شيء من الإخلاص، فلينبئونا كيف يمكن أن يغفر اللّه لنا خطايانا وهو عادل بقدر ما هو رحيم، وكيف مكننا أن ندنو منه وهو قدوس بقدر ما هو رؤوف؟! وإن عجزوا عن الإجابة، ولا نخالهم إلا عاجزين، فإنهم كما قال الوحي يعترضون باب الخلاص، فهم لا يدخلون، ولا يدعون الراغبين في الدخول أن يدخلوا (متى 23: 13)، فلا يكون لأقوالهم وزن أو قدر.

أضف تعليق


الإنجيل المقدس مجانا
الوحي المقدس

الإنجيل المقدس مجانا

إحصل على نسختك المجانية من الإنجيل المقدس يصل إلى عنوانك البريدي أو بواسطة صديق.
شاهد فيلم المسيح
المسيح

شاهد فيلم المسيح

شاهد فيلم المسيح بلهجتك الخاصة متوفر بعدة لهجات من مختلف الدول العربية مثل اللهجة الجزائرية والتونسية والمصرية وغيرها.
إتصل بنا عبر سكايب
إتصل بنا

إتصل بنا عبر سكايب

إلى زوارنا في البلاد العربية بامكانكم الإتصال بأحد مرشدينا مباشرة من الساعة التاسعة صباحا حتى الثالثة مساء بتوقيت مصر.
شاهد قصص الأنبياء
الأنبياء

شاهد قصص الأنبياء

سلسلة قصص درامية باللغة العربية عن أنبياء الله في العهد القديم تبدأ من قصة آدم وحواء حتى قصة الملك داود.