Demo

مباحث المجتهدين

المبحث الرابع - صلب المسيح تاريخياً

فهرس المقال

 

الفصل الخامس

ليست حادثة صلب المسيح من مخترعات البشر ،وإلا لما رضي المسيحيون أن ينسبوا إلى رئيسهم ونبيهم ومخلصهم بل ربهم هذا الاحتقار العظيم ،لأن شريعة موسى تقول : لِأَنَّ المُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللّهِ - تث 21 :23 - والإنجيل يقول : مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ - غل 3 :13 - وليس أن المسيحيين قد اعترفوا بحصول الصلب فقط ،بل حسبوه بافتخار مصدر خيراتهم وبركاتهم السماوية وينبوع الخلاص العميم ،ليس لهم فقط بل لكل من آمن بالمسيح المصلوب وبالفداء الذي حصَّله للخطاة بموته الشهير. ويلوح لي إذ أباحث أخي المسلم أن قضية صلب المسيح هي حادثة تاريخية من بعض الأوجه ،لذلك أردت أن أبحث فيها الآن بحثاً تاريخياً فأقول :

إن الأنبياء الأقدمين داود وإشعياء ودانيال وغيرهم تنبأوا بكل حال من أحوال حياة المسيح ،وخصوصاً بصلبه وموته قبل حصوله بأكثر من ألف وخمسين سنة. بل بعضهم قد عين مكان صلب المسيح وزمن حدوثه ،وذكروا علامات منها طبيعية ككسوف الشمس والزلازل ،ومنها تاريخية كإبطال الذبيحة نهائياً ،لأنها كانت تشير إلى ذبيحة المسيح العظمى. وكزوال الملك نهائياً من يد اليهود.

ولما جاء المسيح أعلن صريحاً لليهود أن المكتوب عنه في ناموسهم من جهة الموت لا بد من أن يتم ،وأنه لا بد من أن يُصلب للتكفير عن خطايا الناس. والحواريون بعده كانوا يفتخرون بهذا الصلب حتى أن أحدهم قال : لِأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً بَيْنَكُمْ إِلَّا يَسُوعَ المَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوباً - 1 كو 2 :2 - وقام أحدهم واعظاً بعد صلب المسيح بأيام قليلة بين جمهور عظيم من اليهود وقال لهم : بِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ - أع 2 :23 - وكانت نتيجة خطبته أن آمن من الحاضرين بذاك المصلوب نحو ثلاثة آلاف نفس.

وكان صلب المسيح موضوع تبشير الحواريين والرسل ومحور كل خطبهم ،والأمر الوحيد الذي يُرجع إليه في طلب مغفرة الخطايا. وكانوا يقولون : حاشا لنا أن نفتخر إلا بصليب ربنا ومخلصنا يسوع المسيح ،مع تلقيب الناس لهم بتابعي المصلوب. واعتبرت الكنيسة المسيحية قرناً بعد قرن بالتواتر صلب المسيح كما كان يعتبره الحواريون ،وذلك لأنه ليس شيء في التوراة والإنجيل أصرح من هذه القضية.

وأشار يوسيفوس المؤرخ اليهودي الشهير في تاريخه إلى صلب المسيح قائلاً :إن بيلاطس حكم على المسيح بالصلب بطلب رؤساء الكهنة بيننا ،والذين أحبوا المسيح أولاً لم يتركوه ،وهم باقون للآن يدعون مسيحيين نسبة إليه حتى أن اليهود ليومنا هذا يعترفون بصلب المسيح. والقرآن نفسه يشهد بأن اليهود يعترفون أنهم قتلوا المسيح كما ترى في سورة النساء 4 :157 وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ا بْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ . وقد كتب الحاخام يوحنان بن زكا تلميذ هليل الشهير كتاباً في العبرانية منذ زمن قديم ذكر فيه حكم اليهود على المسيح بالصلب لادعائه أنه ابن الله ،وأن اليهود علقوا يسوع على شجرة خارج أورشليم ،حسب أمر الملك ورؤساء اليهود. وكتاب التلمود قد ذكر صلب يسوع المسيح ،وتاسيتوس المؤرخ الوثني ذكر في الفصل الخامس عشر من مؤلفه المكتوب بعد المسيح بنحو أربعين سنة أن المسيح قتل بأمر بيلاطس البنطي الوالي في أيام حكم طيباروس.

وهذا المؤرخ كتب لأناس كانوا من معاصري المسيح ،وربما بعضهم شاهد عياناً موت المسيح. وكان لهذا المؤرخ وسيلة للوصول إلى سجلات الحكومة الرومانية ،حيث كانت أخبار الحكام الرومانيين القانونية تُحفظ ،ومن ضمنها أخبار حكام فلسطين حيث صُلب المسيح. ولذلك كان لكتابات هذا المؤرخ في هذا الموضوع اعتبار عظيم ،بالنظر لعلاقتها بالأخبار القانونية والحقائق المعروفة عند العموم.

والأمر المهم هو أن خطاب بيلاطس البنطي الذي بعث به إلى روما بشأن صلب المسيح وموته قد حُفظ بين سجلات روما ،حسب عادات الممالك التي نالت حظاً من الحضارة. ومن ذلك الرقيم القانوني استقى المؤرخ تاسيتوس علاوة على الأخبار العامة.

وقد أشار إلى هذا الرقيم فلافيوس جوستينوس الفيلسوف عندما خاطب الأمبراطور أنطونيوس بيوس السنة 139 م.

وقد أشار إلى هذا الرقيم بعينه العالم ترتوليانوس من قرطاجة سنة 199م.

وهكذا ترى أن حادثة صلب المسيح كانت أمراً مقرراً وحادثة مشهورة ومعروفة بين الوثنيين واليهود والنصارى ،ليس بين العامة فقط بل الخاصة أيضاً مدة 600 سنة. إلى أن جاء القرآن فأنكر صلب المسيح فعلاً إنكاراً غير صريح بكلام مبهم وآيات مختلفة أوقعت كثيرين من المسلمين في حيرة من هذا القبيل ،حتى أنكرها بعضهم بتاتاً وصدقها آخرون كما رأيت في فصل سبق.

فافرض الآن أيها القارئ النبيه أن خمسين رجلاً من الشهود العدل شهدوا صريحاً - بعضهم شهادة عين وبعضهم بالسمع - أن زيداً قتل عمراً. والشهود العين لهم معرفة شخصية تامة بالقاتل والمقتول. وافرض أن الجاني القاتل اعترف بفعلته الشنعاء علناً. فصار الاعتقاد عاماً والأمر حقيقة لا ريب فيها أن زيداً قتل عمراً مدة نحو ست مئة سنة. ولكن بعد هذه المدة الطويلة جاء أمام القاضي شاهد نفي ،وبالطبع ليس بشاهد عين. وافرض أنه شاهد عدل وقال : أنا أشهد أن حادثة القتل حصلت ،ولكن المقتول هو بكر وليس عمراً. فماذا تظن : أيحكم القاضي بصحة مقتل عمر؟ أو يحكم أن المقتول هو بكر استناداً إلى الشهادة الأخيرة الفريدة؟ لا شك أن القاضي العادل يحكم بصحة مقتل عمر استناداً إلى الشهادات العديدة وإقرار القاتل. ومن يحكم بخلاف هذا يكون من الذين لا دراية لهم بالقوانين الشرعية والمدنية ،وليس في رأسه ذرة من العدل.

لا حاجة لي أن أنبهك أن هذا المثل هو على قضية صلب المسيح ،وهو ينطبق عليها من كل الأوجه فتأمل.

ماذا تقول بعد كل هذا أيها الأخ المسلم الباحث عن الحقيقة؟ أنصح لك أن تترك الميل المذهبي جانباً وتحكم في هذه القضية حسب العدل ومعارفك العقلية ،فتجد أن القضية بسيطة لا تحتاج إلى كل هذا العناء ،وتحكم أن المسيح عيسى قُتل وصُلب لفداء العالمين ،لكنه قام من بين الأموات وارتفع إلى السماء ظافراً ولن يسود عليه الموت بعد.

طباعة

أضف تعليق


الإنجيل المقدس مجانا
الوحي المقدس

الإنجيل المقدس مجانا

إحصل على نسختك المجانية من الإنجيل المقدس يصل إلى عنوانك البريدي أو بواسطة صديق.
شاهد فيلم المسيح
المسيح

شاهد فيلم المسيح

شاهد فيلم المسيح بلهجتك الخاصة متوفر بعدة لهجات من مختلف الدول العربية مثل اللهجة الجزائرية والتونسية والمصرية وغيرها.
إتصل بنا عبر سكايب
إتصل بنا

إتصل بنا عبر سكايب

إلى زوارنا في البلاد العربية بامكانكم الإتصال بأحد مرشدينا مباشرة من الساعة التاسعة صباحا حتى الثالثة مساء بتوقيت مصر.
شاهد قصص الأنبياء
الأنبياء

شاهد قصص الأنبياء

سلسلة قصص درامية باللغة العربية عن أنبياء الله في العهد القديم تبدأ من قصة آدم وحواء حتى قصة الملك داود.