عصمة التوراة والإنجيل

خذ الحقيقة من التاريخ


كل من قرأ التاريخ رأى أن المسيحيين منذ بداية العصر الرسولي إلى بداية القرن الرابع الميلادي عانوا الاضطهاد والتنكيل من الوثنيين واليهود. واحتملوا العذابات بأقسى ألوانها بصبر أدهش العالم، حتى معذبيهم أنفسهم. وهذا الاحتمال العجيب نشأ عن إيمانهم بالإنجيل المقدس، وتمسكهم بمبادئه الإلهية.

والتاريخ يروي لنا أنهم أقبلوا على الاستشهاد بفرح حباً بالمسيح، وطاعة لأمره القائل: كُنْ أَمِيناً إِلَى المَوْتِ ـ رؤيا 2: 10 ـ وأن كثيرين منهم ضوعفت عذاباتهم، لأنهم أبوا أن ينكروا المسيح، أو يرفضوا إنجيله، حباً بالنجاة. مفضلين بالأحرى، أي نوع من الموت، على التمتع الوقتي بالحياة.

افتح سجلات المسيحية، ترى ذكراً لسحابة من الشهود، الذين عُذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل. فهل يصدق أحد أن المسيحيين الذين قدموا هذه التضحيات الرائعة وتجرعوا مر الآلام لأجل مبادئ الإنجيل، يقدمون على تحريف إنجيلهم؟

وهل يسمح المسيحيون لأحد، أياً كان شأنه، أن يبدل كلمة من إنجيل الله، ولهم تلك الوصية الرسولية القائلة: وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلَاكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا أي مرفوضاً ـ غلاطية 1: 8 ـ .

وإني لأسأل كل مدَّعٍ بالتحريف: ما هو الباعث للمسيحيين على تحريف كتبهم المقدسة؟ هل يكون هذه الباعث أفضل من حياتهم الأبدية؟ إن ربهم وفاديهم الذي عبدوه بأرواحهم ودمائهم، وكل عزيز وثمين لديهم، قد ختم عهده معهم برسالة بلغها بواسطة رسوله الأمين يوحنا: لِأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذا الكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذا يَزِيدُ اللّهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ المَكْتُوبَةَ فِي هذا الكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذهِ النُّبُوَّةِ يَحْذِفُ اللّهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الحَيَاةِ، وَمِنَ المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ، وَمِنَ المَكْتُوبِ فِي هذا الكِتَابِ ـ رؤيا 22: 18 و19 ـ.

أما إذا قالوا إن التحريف حدث بعد القرآن، فإن الواقع يدحض زعمهم بالاستناد على الحقائق التالية:

ـ 1 ـ إن الديانة المسيحية كانت منتشرة في بلدان عديدة، كالأناضول وبلاد العرب، وشمالي إفريقيا وإيران، والهند، وإيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، وإنجلترا، وألمانيا، فهل يسلم العقل السليم بأن المسيحيين المنتشرين في هذه البلدان المتعددة والمتباعدة، اجتمعوا يوماً في مكان واحد للاتفاق على تحريف الإنجيل؟

ـ 2 ـ إن الذين اعتنقوا المسيحية في تلك البلدان، لم تكن لهم لغة واحدة، بل لغات مختلفة. والكتاب العزيز كان منتشراً في لغاتهم مما يجعل اتفاقهم على تزوير الكتابات المقدسة أمراً مستحيلاً. سيما أنهم كانوا يجهلون لغات بعضهم البعض.

ـ 3 ـ إن المسيحيين في القرن الرابع، كانوا منقسمين إلى طوائف عديدة، يباعد بينها بعض العقائد المذهبية. وكل فريق يجتهد لدعم وجهة نظره بآيات الكتاب المقدس. فكثرت المناقشات حول التفسير. وعقدت مجامع بحثت فيها الخلافات العقائدية، وأشهرها مجمع نيقية الذي انتهى بشجب بدعة آريوس وأتباعه. ولهذا يسقط الادعاء بأن المسيحيين اتفقوا على تحريف الإنجيل. ولعله من الحق الصريح أن نسأل المدعين بالتحريف أن يذكروا لنا متى وأين حصل التحريف، ومن هم الذين حرفوه، وكيف حصل الاتفاق بينهم؟

إن العالم لم يخل يوماً من مؤرخين أمناء، دأبهم أن يدوّنوا الحوادث في سجلاتهم. فهل يستطيع أحد أن يذكر لنا اسم مؤرخ وثني أو يهودي أو مسلم، ذكر ولو تلميحاً أن مؤتمراً عُقد بين شعوب العالم المعتنقة اليهودية والمسيحية والمختلفة في العقيدة واللغة، وجرى فيه العبث بكلام الله؟ وإن كان هذا قد حدث، أفلم يكن في استطاعة أحد أن يحتفظ ولو بنسخة واحدة، لتبقى شاهداً على تواطؤ اليهود والمسيحيين؟

ويقيناً أنه لو حدث تواطؤ كهذا، لكان معناه أن الخصومات بين اليهود والمسيحيين قد زالت، وكان الثمن تحريف شريعة الله.

طباعة